لا أعتقد أنّ أحدًا استيقظ في طفولته وقال: عندما أكبر سأبني علامة شخصية. كانت أحلامنا أكثر بساطة؛ أن نصبح أطباء ومهندسين ولاعبي كرة.

لكن العالم قرر في السنوات الأخيرة أن يضيف وظيفة جديدة إلى قائمة طموحاتنا: المؤثر. ليس مهمًا أن تعرف ماذا ستبيع، المهم أن يعرفك الناس أولًا، ثم يأتي المنتج والخدمة والعمل بعد ذلك.

ولا أعتقد أيضًا أنّ أحدًا اليوم يحتاج إلى شرح معنى «صانع محتوى» أو «مؤثر»؛ يكفي أن تفتح هاتفك لدقائق حتى ترى آلاف الأشخاص يمارسون المهنة نفسها دون أن يتفقوا عليها: شخص يصور قهوته، وآخر يصور عمله، وثالث يصور رأيه، ورابع يصور يومه كاملًا، ثم يأتيك السؤال الذي لا يُقال بصوت مرتفع: إذا كان الجميع يتحدث، فمن الذي بقي ليستمع؟

أصبحنا نعيش في زمن لا يكفي فيه أن تكون جيدًا في عملك؛ ينبغي أن يعرف الناس أنك جيد.

ولهذا صار صاحب المطعم مطالبًا بأن يكون صانع محتوى، والمصمم مطالبًا بأن يتحدث عن التصميم، والطبيب مطالبًا بأن يصور يومه، ورجل الأعمال مطالبًا بأن يخبرنا كيف بدأ من الصفر، والموظف الذي بالكاد يجد وقتًا لنفسه مطالبًا بأن يبني «براند شخصي». وكأننا لم نعد نملك مهنة واحدة تكفينا، بل أصبح علينا جميعًا أن نعمل بدوام إضافي في وظيفة اسمها: أن نظهر.

والغريب أن أحدًا لم يسألنا إن كنا نريد هذه الوظيفة أصلًا.

من أنت أم كيف تريد أن يراك الناس؟

البراند الشخصي مصطلح يبدو بسيطًا ومفيدًا: أن تعرف ما الذي تجيده، وما الذي تمثله، وما القيمة التي تقدمها، ثم تجعل الناس يعرفون ذلك عنك. لكننا مع الوقت قلبنا المعادلة؛ فأصبح الاهتمام منصبًا على الصورة التي نريد أن يراها الناس أكثر من الشخص الذي نريد أن نكونه فعلًا.

الهوية تجيب عن سؤال: من أنا؟ بينما الصورة الظاهرة تجيب عن سؤال: كيف أريدك أن تراني؟

وقد يتطابق الاثنان، وهذه أفضل الحالات، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة أهمّ من الهوية، وعندما تقضي وقتًا طويلًا في بناء انطباع عن نفسك أكثر مما تقضيه في بناء نفسك أصلاً.

عندها لا يعود البراند الشخصي امتدادًا لشخصيتك، بل يصبح شخصية أخرى تعمل لديك. تختار الكلمات التي تناسب صورتك، والآراء التي لا تضر بها، والصور التي تخدمها، وحتى القصص التي تحكيها تمرّ على فلتر واحد: هل ستجعلني أبدو كما أريد؟

وهنا، من حيث لا نشعر، ننتقل من بناء الهوية الشخصية الأصيلة إلى إدارة الانطباع.

لا تبنِ صورة أكبر من حقيقتك

هناك شيء مقلق في فكرة البراند الشخصي حين تُفهم بطريقة خاطئة: أن تصبح الصورة التي صنعتها عن نفسك أكبر من نفسك.

تبدأ في الدفاع عن شخصية رقمية لم تعد تشبهك، لأنك تخشى أن يكتشف الناس أنّك تغيّرت، فتظل تكرّر الرأي نفسه، وتستخدم اللغة نفسها، وتحافظ على الصورة نفسها، فقط لأن الجمهور عرفك بها.

لكن الإنسان يتغير. وهذا طبيعي.

قد تتغير آراؤك، واهتماماتك، وحتى الأشياء التي تؤمن بها. والبراند الشخصي الصحي يجب أن يحتمل هذا النموّ، لا أن يحوّلك إلى سجين للصورة التي صنعتها عن نفسك.

ربما لهذا السبب لا أحب كثيرًا فكرة أن تسأل: كيف أبني براند شخصي قوي؟

السؤال الذي يعجبني أكثر: كيف أبني شخصية تستحق أن تكون لها علامة؟

فالأولى تبدأ من السوق. والثانية تبدأ من الإنسان.

ثلاثون ثانية من حياتك..من فضلك

المشكلة الأخرى أنّ المؤثر لا يستطيع أن يتوقف طويلًا؛ فهناك دائمًا شيء يجب نشره، ورأي يجب مشاركته، وقصة يجب روايتها، وخوارزمية يجب إرضاؤها. ولهذا أصبحت الحياة عند البعض تمر بطبقتين: طبقة نعيشها، وطبقة أخرى نفكّر كيف نعرضها.

تذهب إلى مؤتمر فلا تسأل فقط: «ماذا سأتعلم؟»، بل «ما الصورة التي سألتقطها؟». تنجح في مشروع فلا تكتفي بالفرح، بل تبدأ في التفكير في المنشور الذي سيحكي كيف وصلت إليه. تخوض تجربة صعبة، وقبل أن تهدأ منها قليلًا، يبدأ عقلك في البحث عن «الدرس المستفاد» الذي يمكن أن تنشره مساء الخميس.

وهنا يصبح الأمر طريفًا قليلًا؛ لأننا بدل أن نعيش حياتنا، بدأنا نعيشها ونراقبها من الخارج، كأن في الغرفة مخرجًا إبداعيًا ينتظر اللقطة المناسبة.

كان المطلوب في البداية أن تكون حقيقيًا، ثم أصبح المطلوب أن تظهر أنك حقيقي. تحكي عن فشلك، لكن بطريقة ملهمة. تتحدث عن ضعفك، لكن مع صورة جيدة. تعترف بأنك لم تكن تعرف شيئًا، ثم تنهي القصة بثلاثة دروس يمكن للجمهور حفظها.

وهكذا تحولت «الأصالة» من حالة إنسانية إلى مهارة تسويقية.

ماذا لو كنا نلعب اللعبة الخطأ؟

هنا أظن أن المشكلة ليست في لينكدإن، ولا في صناعة المحتوى، ولا حتى في المؤثرين. المشكلة أننا أخذنا قواعد لعبة صُممت لاقتصاد الانتباه، ووضعناها على أصحاب الأعمال والمهنيين، ثم أخبرناهم أن عليهم الفوز بها.

المؤثر يحتاج إلى الانتباه؛ لأن الانتباه هو رأس ماله. أما صاحب العمل فيحتاج إلى الثقة. قد يحتاج المؤثر إلى مئة ألف مشاهدة، بينما قد يحتاج صاحب الشركة إلى عشرة أشخاص فقط يعرفون جيدًا ما يفعله ويثقون به.

قد يقرأ منشورك شخص واحد، ولا يضع إعجابًا، ولا يكتب تعليقًا، ولا يشارك المنشور، ثم يتواصل معك بعد ثلاثة أشهر لأنه تذكر شيئًا قلته.

فهل كان المنشور فاشلًا؟ نحن نخطئ عندما نقيس أثر الأعمال المهنية بالمقاييس التي صُممت للمؤثرين. عدد المشاهدات ليس دائمًا قيمة، وعدد المتابعين ليس دائمًا جمهورًا، والتفاعل ليس دائمًا علاقة.

فخّ البراند الشخصي

أكثر ما يقلقني في فكرة البراند الشخصي أنّها قد تجعل الإنسان يبني صورة عن نفسه ثم يبدأ بالعمل كي يحافظ عليها. وهنا ينقلب الأمر.

بدل أن تقول: هذه تجربتي، وسأشاركها مع الناس، تبدأ في التفكير: ماذا يريد الناس أن يروا مني؟

وبعد أيام تقرأ كثيرا عن الخوارزميات، فلا تنشر ما تعرفه، بل ما ينجح، ولا تتحدث بما تؤمن به، بل بما يحقق تفاعلًا، ولا تكتب لأن لديك فكرة، بل لأن يوم النشر قد جاء.

وهكذا يتحول الإنسان من صاحب رسالة إلى موظف لدى جمهوره. وهذا ثمن لا يتحدث عنه كثيرون.

لا نحتاج مؤثرين أكثر

أظن أننا لا نحتاج إلى مزيد من المؤثرين بقدر ما نحتاج إلى مزيد من أصحاب الأفكار. لا نحتاج شخصًا آخر يخبرنا ماذا اشترى، وأين ذهب، وماذا فعل في صباحه.

نحتاج من يعلّمنا شيئًا، من يشرح لنا ما لا نفهمه، من يختصر علينا طريقًا قطعه قبلنا، ومن يملك تجربة حقيقية ثم يمنحها للناس دون أن يرفقها دومًا بعرض محدود أو خصم 20 بالمئة.

كن معروفًا بما تفعل

ربما هذا هو الحل البسيط لكل هذا الضجيج.

لا تجعل هدفك أن يعرفك الجميع، اجعل هدفك أن يعرفك من يحتاج ما تفعله.

لا تحتاج مليون متابع إذا كان مئة شخص يعرفون قيمتك، ويثقون بعملك، ويعودون إليك حين يحتاجون ما تقدمه.

لا تحتاج أن تصبح مؤثرًا كي تنجح. تحتاج أن تكون مؤثرًا في الشيء الذي اخترت أن تُتقنه ثم إن أردت أن تتحدث عنه، فتحدّث وإن أردت أن تظهر، فاظهر لكن لا تجعل الكاميرا تسرق منك المرآة ولا تجعل الجمهور يأخذ منك صاحب الموهبة الذي كنت تحاول أن تصبحه.

أخيرًا...

هذا رأييّ وأنا أناقض نفسي أحيانًا، وأغيّر آرائي حين يظهر لي خطؤها، والحكمة ضالة المؤمن، لذا خذ ما صفا ودع ما تكدّر.

والله أعلى وأعلم.