هناك مشهد يتكرر في التاريخ بانتظام مريب:

القائد الذي أدار آلاف الموظفين، والمستثمر الذي حرّكت توقيعاته أسواقًا كاملة، والوزير الذي كانت كلمته تفتح الأبواب المغلقة ينتهي بهم المطاف جميعًا في الوضعية نفسها: جالسين أمام ورقة بيضاء، يكتبون مذكراتهم أو شهادتهم على العصر أو كتابهم الأول قبل أن يصافحهم الموت ممسكًا بتذكرة الرحيل.

يشبه الأمر نهرًا جبّارًا قطع القارات، وحفر الأخاديد، وحمل السفن على ظهره. ثم أدرك في آخر مجراه أنه إن لم يصبّ في بحر، تبخّر كأنه لم يكن.

الكتابة هي البحر.

الألقاب ملابس عمل…

دعنا نتفق على حقيقة بسيطة: اللقب الوظيفي ليس أنت. إنه زيّ رسمي تسلّمك إياه المؤسسة صباحًا، وتسترجعه منك عند الباب يوم المغادرة.

ولهذا يشعر كثير من المتقاعدين الكبار بذلك الفراغ في حياتهم، لقد أعادوا الزيّ، فاكتشفوا أنهم لم ينسجوا شيئًا يخصّهم تحته.

أمّا الكلمة المكتوبة فهي جلدك لا قميصك. تنمو معك، تحمل ندوبك وبصمتك، ولا يستطيع أحد أن يطلب منك إعادتها في نهاية الدوام.

الرئيس التنفيذي يفهم هذا متأخرًا، بعد أن يصمت هاتفه فجأة. ذلك الهاتف الذي كان يرنّ في المصعد وفي العزاء وفي منتصف الليل، ثم صار أهدأ من مكتبة عامة يوم عيد 🙃. عندها فقط يجلس ويكتب، باحثًا عن تأثير صادق خارج القوالب والمسميات والكراس.

الكتابة في حياتك: صالة لرياضة العقل

قبل أن تكون الكتابة وسيلة نشر، هي وسيلة تفكير.

الخبرة غير المكتوبة تشبه عضلات لا تُمرَّن، موجودة نظريًا، مترهلة عمليًا. حين تجلس لتكتب فكرتك، تكتشف فورًا أين المناطق الرخوة في فهمك، فالصفحة البيضاء مدرّب خاص لا يجامل، لا يقول لك "برافو" وأنت تؤدي التمرين خطأ.

الخبراء الذين يكتبون أسبوعيًا لا يوثّقون معرفتهم فقط بل يضاعفونها.

الكتابة لجمهورك

جمهورك لا يستطيع أن يحملك في جيبه.

المحتوى المكتوب هو الشكل الوحيد منك الذي يعمل بلا أجر، ولا ينام، ولا يطلب تذكرة سفر، ولا يمرض قبل الورشة بيوم. إنه أنت مطروحًا منه التعب والجدول المزدحم.

وكل مقال تكتبه هو موظف خدمة عملاء يعمل عندك للأبد، براتب دفعته مرة واحدة: ساعتان من الكتابة الصادقة.

فكّر في الأثر: متدرب واحد في القاعة يستفيد منك ساعتين. قارئ واحد لمقالك قد يعيد قراءته، ويرسله لزميله، ويقتبسه في اجتماع بعد خمس سنوات وأنت لا تدري. القاعة تُغلق أبوابها في الخامسة والنص لا يُغلق أبدًا.

الكتابة لتنمية أعمالك: الثقة التي تسبقك إلى الاجتماع

في سوق الخبرة والتدريب، لا يشتري الناس الشهادات المعلّقة على الجدار. يشترون الثقة.

والثقة لا تُبنى في مكالمة تعريفية مدتها ثلاثون دقيقة، مهما كانت ابتسامتك مقنعة. تُبنى قبل المكالمة: حين يرى عميلك عيّنة مجانية من خبرتك، ويقرأ ثلاث مقالات لك، فيدخل الاجتماع وقد اتخذ قراره أصلًا، ولم يبقَ إلا التفاصيل.

الخبير الذي يكتب يصل إلى الاجتماع وقد سبقه صدى صوته بأشهر.

والخبير الذي لا يكتب يبدأ كل علاقة من الصفر كأنه يقدّم أوراق اعتماده عند كل باب.

في النهاية..لا يبقى من الخبير إلا ما كتبه وخلّده قلمه.

رسالتي لك أيها الخبير والمدرّب: لا تكرر خطأهم

إن كنت خبيرًا أو مدرّبًا أو مستشارًا، فأنت أقرب الناس إلى هذا الدرس، وأكثرهم تجاهلًا له.

فكّر معي:

الخبير الذي لا يكتب يشبه بئرًا عميقة في صحراء بلا دلو. الماء موجود، عذب، ونادر لكن لا أحد يعرف كيف يرفع الماء من قاع البئر. هذه أفكار التي تموت معك -بعد عمر طويل في طاعة الله-

والمدرّب الذي يكتفي بالقاعات التدريبية؟ يبني قصورًا من الرمل عند خط الموج. ورشة رائعة، تصفيق حار، تقييمات خمس نجوم، ثم تأتي موجة الأسبوع التالي فتمسح كل شيء من ذاكرة المتدربين إلا الغداء الجيد.

الكتابة وحدها تحوّل مياهك الجوفية إلى نهر يروي الناس.

الكتابة في نهاية الرحلة: الفرز الأخير

ثم نصل إلى الحقيقة التي أدركها الكبار متأخرين، والتي كتبوا بسببها مذكراتهم وهم في السبعين:

التاريخ موظف أرشيف قاسٍ. يستلم حياتك كاملة في صندوق، فيرمي الألقاب أولًا فهي أثقل شيء وأقل شيء قيمة، ثم يرمي الأرقام والعناوين والمناصب.

نحن لا نعرف الراتب الذي تقاضاه ابن خلدون، ولا مساحة مكتب المتنبي. نعرف ما وصل إلينا من كلماتهم وأفكارهم.

إرثك الرقمي -مقالاتك، نشرتك، أفكارك الموثقة- هو الجزء الوحيد منك الذي سيحضر اجتماعات لن تُدعى إليها، ويدرّب أجيالًا لن تقابلها، ويستمر في العمل بعد أن تتوقف أنت عن كل شيء.

اكتب درسًا دفعت ثمنه غاليًا. اكتب السؤال الذي يتكرر عليك في كل ورشة. اكتب الخطأ الذي يرتكبه العملاء كل أسبوع.

فقرة صادقة كل أسبوع، وبعد عشر سنوات ستجد أنك بنيت شيئًا لا يملكه أكثر الناس ألقابًا: صوتًا يعيش أطول منك.

لا تنتظر نهاية الرحلة كي تكتب عنها. اكتب وأنت تمشي واترك علامات على الطريق. ربما كان أعظم ما ستقدمه في حياتك المهنية ليس المشروع الذي أنجزته، ولا القاعة التي صفقت لك، ولا الرقم الذي حققته.

ربما يكون جملة كتبتها في مساء عادي، ثم وجدها شخص في الوقت الذي كان يحتاج إليها تمامًا.

عندها فقط تتحول خبرتك من شيء عشته أنت إلى شيء يستطيع الآخرون أن يعيشوا به.

نافذة للتواصل